القرطبي

420

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أن تظلموهم ، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به . و ( دابة ) تقع على جميع ما دب ، وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه . وقيل : هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة ، والمعنى : وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى ، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار . وقال أبو هريرة : هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول الله لها : كوني ترابا . وهذا اختيار الزجاج فإنه قال : ( إلا أمم أمثالكم ) في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص ، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا . وقال سفيان بن عيينة : أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه ، فمنهم من يعدو كالأسد ، ومنهم من يشره كالخنزير ، ومنهم من يعوي كالكلب ، ومنهم من يزهو كالطاوس ، فهذا معنى المماثلة . واستحسن الخطابي هذا وقال : فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك . وقال مجاهد في قوله عز وجل : " إلا أمم أمثالكم " قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون . وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة ، وأنها تحشر وتنعم في الجنة ، وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم ، والصحيح " إلا أمم أمثالكم " في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته ، كما أن رزقكم على الله . وقول سفيان أيضا حسن ، فإنه تشبيه واقع في الوجود . قوله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث . وقيل : أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ، إما دلالة مبينة مشروحة ، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من الاجماع ، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب ، قال الله تعالى : " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " ( 1 ) [ النحل : 89 ] وقال : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " ( 1 ) [ النحل : 44 ] وقال : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " ( 2 ) [ الحشر : 7 ] فأجمل في هذه الآية وآية ( النحل ) ما لم ينص عليه مما لم يذكره ، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شئ إلا ذكره ، إما تفصيلا وإما تأصيلا ، وقال : " اليوم أكملت لكم دينكم " ( 3 ) [ المائدة : 3 ] .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 164 ، ص 108 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 17 . ( 3 ) راجع ص 61 من هذا الجزء .